ابو القاسم عبد الكريم القشيري

334

لطائف الإشارات

فقال : « وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا » « 1 » ، وأخبر عن نبينا صلى اللّه عليه وسلم بأنه « أَسْرى بِعَبْدِهِ » وليس من جاء بنفسه كمن أسرى به ربّه ، فهذا متحمّل وهذا محمول ، هذا بنعت الفرق وهذا بوصف الجمع ، هذا مريد وهذا مراد . ويقال جعل المعراج بالليل عند غفلة الرّقباء وغيبة الأجانب ، ومن غير ميعاد ، ومن غير تقديم أهبة واستعداد ، كما قيل : « 2 » ويقال جعل المعراج بالليل ليظهر تصديق من صدّق ، وتكذيب من تعجّب وكذّب أو أنكر وجحد . ويقال لما كان تعبّده صلى اللّه عليه وسلم وتهجّده بالليل جعل الحقّ سبحانه المعراج بالليل ويقال : ليلة الوصل أصفى * من شهور ودهور سواها ويقال أرسله الحقّ - سبحانه - ليتعلّم أهل الأرض منه العبادة ، ثم رقّاه إلى السماء ليتعلّم الملائكة منه آداب العبادة ، قال تعالى في وصفه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى » « 3 » ، فما التفت يمينا ولا شمالا ، وما طمع في مقام ولا في إكرام ؛ تجرّد عن كلّ طلب وأرب . قوله : « لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا » : كان تعريفه بالآيات ثم بالصفات ثم كشف بالذات . ويقال من الآيات التي أراها له تلك الليلة أنه ليس كمثله - سبحانه - شئ في جلاله وجماله ، وعزّه وكبريائه ، ومجده وسنائه ثم أراه من آياته تلك الليلة ما عرف به صلوات اللّه عليه - أنه ليس أحد من الخلائق مثله في نبوته ورسالته وعلوّ حالته وجلال رتبته .

--> ( 1 ) آية 143 سورة الأعراف . ( 2 ) هنا شاهد شعري مضطرب في الكتابة ، وأكثر أجزائه سلامة هو : والناس عما نحن فيه بمعزل . ( 3 ) آية 17 سورة النجم .